|
إمكانيات قليلة لأشياء كثيرة
ويستمر معنا
الشاعر والأديب الكبير في كتاباته من (بيرن بسويسرا) حيث يواصل
علاجه هناك..
بين القارئ والكتاب
مسافة تزداد بعداً وانقطاعاً كل يوم والمسافة بين المختص وبين ما
يكتبه الكاتب أبعد من المشتري وثمة مسافة أخرى. فالإبداع في
الجماهيرية بكل أجناسه مجهول في البلاد العربية وهو ابتعاد ليس
وليد اليوم بل هو قديم جداً.. جداً – ولذلك فإن بعض المجهودات التي
تطرح بين الحين والآخر هي في الواقع تعود إلى علاقات شخصية محضة
فيما عدا القلة القليلة ممثلة في مقال قديم كتبه العقاد عن رفيق أو
كتاب يحمل رؤية عشوائية تتعمد القفز بسبب ترسبات بالية أصبحت في
مقبرة التاريخ وخطورة هذه الرؤية تكمن في أن تناول الثقافة العربية
من حيث التاريخ أو من حيث استقرار المضامين التي تناولها الكتاب،
وهنا يمكن- وفي ظل العزلة النقدية والتحليل السليم أن تصبح مراجع
مضلة للباحث في الأقطار العربية الأخرى وكان من الممكن أن يتلاقى
الباحث- أي باحث- هذه المرامي ذات الهدف المعين أو تلك التي كُتبت
في فترات قديمة وحفلت ببعض الأخطاء عن حسن نية وذلك بدراسة النص
كاملاً- ولكن الكتاب اليبي لا يصل في أغلب الأحيان حتى إلى مدن
الجماهيرية الكبرى- بل إن المعارض في الداخل تهمله لأسباب مجهولة-
أما المعارض التي تقام في الخارج فهي كارثة ولقد رأيت رأي العين-
ولعدة مرات نماذج من مطبوعات حديثة محددة للشعر الشعبي وليتها ضمت
روائع هذا الشعر- لقد دار حوار قصير بيني وبين مقدم برنامج أدبي في
إذاعة الشرق الأوسط في (أبوظبي) منذ أعوام- وجاء الحوار متأخراً
بعد منتصف الليل بساعات- وكنت منهمكاً تماماً عندما طلب إليّ
تسجيله وطلبت تأجيله رغم إلحاحه- وتأسفت كثيراً لأن الرجل كان على
سفر في الصباح- وترك لي موعداً مفتوحاً لإنجازه بالقاهرة ويظل وجه
الغرابة في الموضوع قائماً فالمثقفون والناشرون العرب حضر معظمهم
مؤتمرات وندوات في الجماهيرية كما حضر رؤساء تحرير مجلات أدبية
معروفة واطلعوا على نتاج الأدباء في بلادنا ولم يخطر ببال أحدهم أن
(يستثمر) في مجلته أو دار نشره مجرد نص أو مطبوعة واحدة في حين نرى
دراسات كثيرة عن الحركة الثقافية في أماكن أخرى تحظى باهتمام
الأكاديميات في المشرق العربي ومن الثابت: الكثير من الدول الشقيقة
تقفل بابها في وجه الإبداع العربي مهما كان نوعه أو جنسه إلا إذا
فرض نفسه على أذواق الجماهير في الأقطار العربية الأخرى- كما حدث
مع نزار قباني مثلاً- وقد اقتحم هذا الشاعر طريقه بواسطة إبداعه
المغنّى وبانتشار أعماله الكبيرة وإذا كان عبد الحمن منيف- وجبرا
إبراهيم جبرا وحنا مينه قد تلقفهم القارئ العربي في الأقطار
العربية الأخرى فإنه يمكن المراهنة على أن أحسن الباحثين في دول
أخرى لم يلفت انتباهه هذا الإبداع العربي الخالد وقديماً- منذ أكثر
من ثلاثين عاماً- لم يلتفت الإعلام في مصر إلى الظاهرة السّيّابية
(بدر السياب) وقد فرضت الرحبانية- نفسها فرضاً في مصر ونادراً ما
يدعي أديب مغربي أو ليبي بالأصح إلى مهرجان فني أو ثقافي.
ومنذ عام ونصف جاء
إلى بنغازي شاب أردني- يبحث عن الدراسات التي كُتِبت عن الكوني
واستقبل في رابطة بنغازي وقد ذهل عندما اكتشف أننا لم نناقش هذه
الظاهرة- وحصل على مقال مسطح بعد صعوبة وأنا أذكر أنه قال بالحرف
الواحد:- (إنه يملك دراسات هامة وكثيرة وبلغات أخرى عن هذا الكاتب،
فإذا شئتم الحصول على بعضٍ منها فلا مانع لدي).
ومنذ فترة كنت أشاهد
المرئية الليبية، فإذا بشاب مهندس تأخذه الغيرة الصرفة فيقوم
بمجهود شخصي لوضع مؤلف عن مقبرة بروستانتينية في طرابلس، هذا الشاب
يجب أن يسجل كتابه من الآن في المتاحف العالمية وفي هيئات التوثيق
المعترف بها- كمنظمة اليونسكو- فهذه المقبرة شاهد تاريخي له أبعاده
التي لا يمكن حصرها هنا ولكن من الممكن سرقة كتابه وتزويره بسهولة-
وتعتبر دور التوثيق في بلادنا دون المستوى المطلوب- فدار الكتب
مثلاً في بنغازي لم تستكمل رغم براعة موقعها ومصلحة الآثار تعمل
بأداء متواضع والجنوب الليبي تقبع تحته أثار حضارات بأكملها تغطيها
الرمال كل هذا كان أصلاً يجب أن يكون خاضعاً للجامعات الليبية- إن
الأنثربولوجيا بصفة عامة تتطلب عمر الإنسان في سلسلة من الأجيال-
إنها ثقافة صعبة لا تقبل لحظة من السكون-لقد اجتمع مائتا عالم في
العراق من أجل تجميع ملحمة جلجامش الشهيرة كأقدم ملحمة في التاريخ
الإنساني- وبعد آلاف السنوات- اكتشف أحدهم قلاع اسبرطة التي كان
بعضهم يعتقد بأنها أسطورة- وإلى الآن يصر علماء (داكار) في
السنغال- على اكتشاف أمريكا قبل كولومبس ويؤكدون أن الدنيا الجديدة
اكتشفها الزنوج والمعركة قائمة- وبعد أبحاث استغرقت عقوداً من
الزمن تأكد أن الإنسان الأول ولد في أفريقيا السوداء وهم في بحثهم
هذا يكتشفون أشياء مذهلة أخرى.
وكثيراً ما يجد المرء
أحداثاً كثيرة وكبيرة جرت فوق الرقعة الضخمة من بلادنا نجدها في
مصادر غير عربية مع الأسف ولا نجد إلا شذرات صغيرة أرختها بدقة.
حتى الكوارث الطبيعية مثل زلزال الثلاثينيات في غرب ليبيا وزلزال
المرج الذي حدث مرتين لا نجد مطبوعة واحدة في الأسواق تؤرخ له
وتدلنا على تاريخ حدوثه أو ابتلاع ربما مدينة بأكملها إنها مهمة
ثقافية. |